لا تجعله يشتكي إلى الله!

جملٌ يبكي... وقلبٌ يرحم
يدخل النبي ﷺ يوماً بستاناً لرجل من الأنصار، فإذا بجمل، ما إن رأى النبي ﷺ حتى "جرجر وذرفت عيناه". أي أصدر صوتاً يدل على الحزن، وبكى. مشهد مؤثر، جمل يشتكي بدموعه.
لا يمر نبي الرحمة بهذا المشهد مرور الكرام. بل يتوجه مباشرة إلى الجمل، "فمسح سراته وذفراه، فسكن". لقد هدأ من روعه بلمسة حانية، ثم سأل سؤال المسؤول الذي يريد أن يرفع الظلم: "من صاحب الجمل؟". يأتي فتى من الأنصار ويقول: هو لي. فيأتيه العتاب النبوي الحاسم، والوصية الخالدة: "أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله، إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه".
إنه يشتكي من أمرين: التجويع، والإرهاق. لقد لخص هذا الجمل المظلوم كل حقوق حيوانات العمل في شكواه الصامتة.
حقوق حيوانات العمل
هذا الحديث، ومعه أحاديث أخرى، تؤسس لميثاق حقوق حيوانات العمل في الإسلام.
- حق الغذاء الكافي: "إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض". أي في وقت الربيع والخير، لا تسرعوا السير، بل دعوها ترعى وتأكل.
- حق الراحة وعدم الإرهاق: "وإذا سافرتم في السنة (القحط) فأسرعوا عليها السير". أي في وقت الجدب، أسرعوا لتصلوا إلى وجهتكم، ولا ترهقوها بالبقاء طويلاً في أرض لا كلأ فيها.
- حق الراحة الفورية: "كنا إذا نزلنا منزلاً، لا نسبح حتى نحل الرحال". أي كان الصحابة لا يصلون النافلة حتى يفرغوا أحمال دوابهم ويريحوها أولاً.
اقتدِ بسيد الخلق
إنها وصايا غاية في الرحمة والرفق. إنها تضع ضوابط واضحة للتعامل مع هذه المخلوقات التي تخدمنا. فلا يجوز تجويعها، ولا تكليفها ما لا تطيق، ولا إهمال راحتها.
فلتكن هذه هي أخلاقك. اقتدِ بسيد الخلق ﷺ. كن رحيماً بحيوانات العمل والركوب. أعطها حقها في الغذاء والراحة. لا تحملها فوق طاقتها. تذكر دائماً قصة أبي الدرداء وهو يقول لبعيره عند الموت: "يا دمّون، لا تخاصمني عند ربي، فإني لم أكن أحملك إلا طاقتك". إنها روح المسؤولية، والخوف من مساءلة هذه الأرواح أمام الله يوم القيامة.
